الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

292

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والإبلاس : اليأس والذل ، وتقدم في سورة الأنعام : وزاد الزمخشري في معنى الإبلاس قيد السكوت ولم يذكره غيره ، والحق أن السكوت من لوازم معنى الإبلاس وليس قيدا في المعنى . [ 76 ] [ سورة الزخرف ( 43 ) : آية 76 ] وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ ( 76 ) جملة معترضة في حكاية أحوال المجرمين قصد منها نفي استعظام ما جوزوا به من الخلود في العذاب ونفي الرقة لحالهم المحكية بقوله : وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ [ الزخرف : 75 ] . والظلم هنا : الاعتداء ، وهو الإصابة بضرّ بغير موجب مشروع أو معقول ، فنفيه عن اللّه في معاملته إياهم بتلك المعاملة لأنها كانت جزاء على ظلمهم فلذلك عقب بقوله : وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ أي المعتدين إذ اعتدوا على ما أمر اللّه من الاعتراف له بالإلهية ، وعلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم إذ كذبوه ولمزوه ، كما تقدم في قوله : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ في سورة لقمان [ 13 ] . و هُمْ ضمير فصل لا يطلب معادا لأنه لم يجتلب للدلالة على معاد لوجود ضمير كانُوا دالا على المعاد فضمير الفصل مجتلب لإفادة قصر صفة الظلم على اسم ( كان ) ، وإذ قد كان حرف الاستدراك بعد النفي كافيا في إفادة القصر كان اجتلاب ضمير الفصل تأكيدا للقصر بإعادة صيغة أخرى من صيغ القصر . وجمهور العرب يجعلون ضمير الفصل في الكلام غير واقع في موقع إعراب فهو بمنزلة الحرف ، وهو عند جمهور النحاة حرف لا محل له من الإعراب ويسميه نحاة البصرة فصلا ، ويسميه نحاة الكوفة عمادا . واتفق القراء على نصب الظَّالِمِينَ على أنه خبر كانُوا وبنو تميم يجعلونه ضميرا طالبا معادا وصدرا لجملته مبتدأ ويجعلون جملته في محل الإعراب الذي يقتضيه ما قبله ، وعلى ذلك قرأ عبد اللّه بن مسعود وأبو زيد النحوي وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ على أن هم مبتدأ والجملة منه ومن خبره خبر كانُوا . وحكى سيبويه أن رؤبة بن العجاج كان يقول : أظن زيدا هو خير منك ، برفع خير . [ 77 ، 78 ] [ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 77 إلى 78 ] وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ ( 77 ) لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ ( 78 ) جملة وَنادَوْا حال من ضمير وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ [ الزخرف : 75 ] ، أو عطف على